القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

عبرة وعظة لمن كان له قلب


 قصة عن العبرة والعظة


للمزيد من القصص

لكل إنسان نصيب من اسمه ، ولقد أسميتك صادق فاجعل نصيبك الأكبر من اسمك في الصدق، فهو رأس مال لا يفنى وإن فنيت الأجساد وقبضت الأرواح، تظل السيرة الحسنة ما دامت السماوات والأرض" .

عبرة وموعظة


كانت هذه نصائح والد صادق الذي لا يكف يوماً عن إعطائها له قبل أن يترك له أراضي واسعة وبيوت شامخة البنيان، يعرفه جميع من بالقرية نظراً لثرائه الفاحش وذكائه الصارخ، نشأ صادق وتربى في النعيم الذي تركه له والده، بعد أن قسم التركة عليه وعلى إخوته قبل وفاته ، كان رغم كبر سنه إلا أنه يتمتع بصحة جيدة، بخيل للناظر إليه أنه في الأربعين من عمره وليس في الثالثة والخمسين.


تمكن من شراء نصيب أختيه كما تمكن من شراء العديد من البيوت والأراضي حتى صارت البلدة يطلق عليها"قرية صادق " ولم لا وقد أصبح يمتلك ما يزيد عن نصفها ، إلى جانب امتلاكه العديد من مزارع الماشية ، فكان المصدر الأول للحوم في محافظة قنا، لا يغمض له جفن حتى يمتلك أرضاً جديدة يضمها لحيزته.


يقع بالجوار منه أرض يمتلكها ورثة الشيخ عمران الذي كان إمام المسجد و يعلم اطفال القرية القراءة والكتابة، حاول صادق مرارا وتكرارا امتلاك هذه البقعة التي تقع في الناحية الشرقية للبلدة والتي بامتلاكها تصبح الناحية الشرقية ملكاً له، إلا أن عروضه رغم اغرائها  قوبلت جميعها بالرفض التام .


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نهض صادق واقفاً ترتسم على شفتيه ابتسامة واسعة: عليكم السلام ومد يده مصافحاً بترحاب شديد تفضل يا جاري العزيز، ثم ضغط على زر صغير يعتلي مكتبه الخشبي فسرعان ما دخل العامل فالتفت صادق نحو الرجل قائلاً: هل تود أن نتناول الفطور أولاً؟ أم نتناول القهوة؟


قضب الرجل حاجبيه وتحدث بصرامة ، لم آت إلى هنا لتناول الطعام والشراب أنت تدرك جيداً السبب الرئيسي في وجودي هنا.

 ابتسم صادق ابتسامة ماكرة قبل أن يشير إلى العامل، أحضر كوبين من القهوة الخاصة بي ولا تسمح لأحد بالدخول.


أغلق باب الحجرة فنظر صادق إلى الرجل بدهاء: ما الأمر يا أستاذ أسعد ؟نحن جيران ولا يليق بنا أن نتعامل هكذا.

أخذ الرجل شهيقا طويلاً قبل أن يقول لا داعي لقلب الطاولة في الحديث ، لو انك تراعي الجار حقه لما سمحت أغنامك التي يشرف على رعايتها خمسة رجال، أن تفسد زرعنا وليست المرة الأولى أن يحدث ذلك، متى تنتهي تلك اللعبة السخيفة؟


نظر صادق باشمئزاز : أتعلم يا أستاذ أسعد؟ لا يجرؤ أحد على التحدث معي هكذا لكنني ألتمس لك العذر.

قهقه بصوت يوحي بالسخرية: هل تظن نفسك قوياً لهذه الدرجة؟ يا عزيزي أنا أشفق عليك من نفسك الأمارة بالسوء ، فالإنسان منا ما هو إلا بضع أوعية دماء قد تراق بين لحظة وضحاها فيجد المرء نفسه قد هَوى إلى حيث اللاعودة أبدأ.


ارتشف رشفة من كوب القهوة وتطلع إليه بهدوء: لقد عرضت عليك كثيرا أن أبتاعها منك بأغلى الأثمان وأنت تعي جيدا أنني أقدر على أخذها غصبا ، لكنني لا أريد ذلك إكراماً لجثمان الشيخ عمران في لحده.


ليس بالجديد عليك أن تفعل ذلك،  كما لفقت تهمة زور ل " ناصر الجبالي " واغتصبت أرضه دون وجه حق، لم تكترث لوالده المسن وعياله وهم يشردون أمامه ، في حين أشفق عليه أحد الغرباء من القرية المجاورة وأسكنه بيته، وأنت تتظاهر بالشهامة والمروءة بأنك من أخرجته من السجن، وتخفي في نفسك ما تبديه من وجه ملائكي ، كم نفس ظلمت إلى الآن، ألم تر أخوتك وأبنائهم الأطباء والمهندسين وأخلاقهم.


اهتزت الحجرة بتصفيق صادق قبل أن يقول ساخراً: يا إلهي لقد انتابني القشعريرة، هذه الكلمات تلقيها لتلاميذك في المدرسة، أما أنا فالكلمة العليا عندي هي المال ، المال يا عزيزي يمحو الشرف والفضيلة وكل هذا الهراء الذي تقوله ، أما عن أرضك سآخذها حتماً، وأولادي الذين تقارنهم بأبناء إخوتي هم الآن في المرحلة الثانوية عما قريب سيحصلون على شهادة البكالوريوس بجامعة الطب لكنها ستكون من جامعة نيويورك، سيكونون أفضل من بالقرية، سيرثون الجاه والمال كابرا عن كابر.


حدق بعينيه : لقد أعمى المال الحرام عينيك ، لقد لطخت المال الحلال الذي ورثته بمالٕ حرام ، أما عن أرضي فأنا أؤثر الموت على تركها ولن تطأ قدمك شبراً منها ما دمت حياً.


جن جنون صادق و أمسك بياقة أسعد وصرخ في الأمن بغضب استدعوا رجال الشرطة فوراً وقيدوا ذلك المجرم بإحكام وأمسك بمزهرية الورد من أمامه وضرب رجل الأمن في رأسه فسالت الدماء من جبهته وأخرج صرة من النقود ودسها في  معطف أسعد  ، حضر رجال الشرطة على الفور ليجدوا الرجل ينزف بالدماء من رأسه وصادق يصيح بهم ألقوا بالقبض على هذا الوغد الذي  سرق نقودي وعندما حاول رجال الأمن القيام بعملهم قام بالاعتداء عليهم دون شفقة ، حرروا الواقعة ، سرقة بالإكراه وتعدي على موظف أثناء تأدية عمله.


تماسك أسعد وهو يردد حسبي الله ونعم الوكيل، اللهم رد مظالمنا حسرة وخيبة يراهما في أبنائه نصب عينيه.

وانتشر الخبر في أنحاء البلدة ، كيف للأستاذ أسعد المعلم الفاضل ابن الشيخ عمران إمام المسجد أن يرتكب جرما كهذا ؟ أسرعت زوجة أسعد وأخوته يرجون صادق أن يعفو عنه، وأسعد يرفض بيع الأرض وهو يقول لهم لقد فصلت عن العمل وهذه الأرض هي كل ما تبقى لنا ولن أفرط في شبر واحد منها .


ولكن صادق تحايل عليهم وساومها على شراء الأرض بثمن بخس مقابل إطلاق سراح أسعد الذي تفاجأ بخروجه من السجن قبل أن يمضي أسبوع واحد من  ثلاث سنوات عقوبة كان من المفترض أن يقضيها ، كاد أن يقتل زوجته وأخوته عندما علم بالأمر ، لكن ما كان له من حيلة وقد حدث ما حدث.


اشترى منزلاً صغيراً يحويهم جميعاً بالكاد ، وكلما مر على أرضه يشعر بغصة في حلقة.، ويتمتم بدعوات بينه وبين الله.


اعتاد صادق اقتناء عصاه الثمينة من الخيزران الإيطالي المزينة من الأعلي ببعض الأحجار الكريمة ويختتم أسفلها بالجلد، كما اعتاد ارتداء ثوبه الصعيدي الكامل من جلباب واسع من أفخر أنواع الأقمشة، تعلوه عباءة مفتوحة مطرزة الحواف، بينما يغطي رأسه عمامة بيضاء زاهية كتيجان الملوك، مما يجعل كل من يراه يهابه ويحسب له ألف حساب، وتمر  السنوات وصادق يزداد ثراء بحق وغير حق ، لا يلقي بالا سوى امتلاك شيئاً جديداً .


وبعد مرور عامين على تلك الحادثة، للمرة الأولى يدخل المسجد الذي قد أنشأه والده فبالرغم من مرور تلك السنوات وبناء المسجد على أرضه وأنه لم يبخل عليه قط من تزين وامداده كل ما يحتاجه من فرش وغيره، كما أوصاه والده إلا أنه للمرة الأولى يدخله ،" من المؤسف أن تكون محاطاً بكم لا بأس به من نعيم لكنك لا تستخدمه في الهدف الذي خلق له "

للمرة الأولى يرى نفسه ضعيفاً ، أسند رأسه إلى الحائط ، كأنه ينفض عن ذاكرته غبار الألم وجلس بجوار أسعد الذي يقرأ القرآن ولا يلتفت إليه كأنه ليس موجودا، سقطت الهيبة أرضاً ،تبعثرت القوة المزعومة وغدت أشلاء ، وجهه العبوس ينبئ عن جسد أثقلته ندبات الحياة، ألقى بعصاته جانباً والتفت إلى أسعد قائلا والدموع تملأ عينيه فقط يمنعها محاولاً الحفاظ على ما تبقى من هيبته:


 بإمكانك استرداد أرضك وبيتك الآن ويعوضك كل ما افتقدته بسببي ، كي تسامحني .

رفع حاجبيه بدهشة : ماذا ؟ أنت تمزح أليس كذلك؟

أغمض عينيه بأسف: كنت أظن أن القوة في جمع المال فحسب ، لكنني أدركت أني كنت في غيبوبة وأن القوة الحقيقية في حب الناس وعمل الخير، لقد سافر ولداي للتعلم في جامعة نيويورك لكنني اكتشفت بعد مرور عامين أنهما لم يدخلا الجامعة، وما هما إلا مجرد عربيدين يدمنان الكحوليات، فضلاً عن أنهما كانا يخدعاني بشهادات نجاح زائفة.


قبل أسعد المصحف قبل أن يضعه جانباً ثم قال: ها أنت الآن فهمت أن المال الحرام يهدم كل ما بني منه ، لقد زيفت أوراق الأراضي والعقارات، وكم شردت من بيوت بطمعك ، ليس لأولادك جرما في ما  حدث فلقد صارا على خطواتك تماماً، قد كنت تخوض في الوحل وتجاهد كي تصنع لهما المستقبل ونسيت أنه ليس عليك سوى اقتناء خطواتك لأن الأبناء يخطون آثار أقدام أبنائهم  وأن المستقبل بيد الله، أتعلم؟ سأسامحك لأنه ليس من الإنسانية أن ترد مكسوراً  ويكفي ما أنت به من شعور بالذنب، يكفي انتقام الأقدار منك ، لكن إذا أردت أن تتوب صدقا فرد لكل ذي مظلمة مظلمته .


اغرورقت عينيه بالدموع سأفعل ذلك لكن أولادي كيف أصلحهم ؟ 

أصلح نفسك يتكفل الله بإصلاح أهلك واعلم أن الله لا يرد قلباً لجأ إليه ولكن حقوق العباد لا بد أن يستردها أولاً، وأشهد الله أني قد عفوت وسأذهب معك من الغد لنرد الحقوق لأصحابها.


وعانقه صادق باكيا: بل أريدها الآن هيا بنا، لقد تعلمت درساً لا ينسى ، أنه يجب على الآباء اقتناء خطواتهم بعناية لأن الأبناء حتماً سيسيرون على خطواتهم


تعليقات