القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

قصص واقعية سأقتله قبل أن يقتلني

 قصة واقعية ساقتله قبل أن يقتلني


رايات مكتوبه

قد تسقط دموعنا، قد نتألم ونعاني، فبعضنا يعاني بصمت لا أحد يسمع حسيسه، وبعضنا يعاني بصوت مرتفع كأنه يرجو من صراخه أن يأخد القيل من ألمه..وما أبشع أن يلتهمك الألم، يستهلك روحك كما تستهلك النار الشمع..
__________________________________________________

بجسم نحيل وعينين ذابلتين، خطوة، خطوة، تقدم ببطء نحو المرآة في طرف الغرفة، وقف طويلا ينظر إلى شكله الهزيل لتنسل منه دمعة على غفلة، حاول التقاطها بسرعة.

اخد نفسا عميقا محدقا في عينيه داخل المرآة، لم يزحزح نظره لقد كان يسبح داخل ذاكرته، ومع كل ذكرى كان ألمه يزداد..فجأة جحظت عيناه بعد أن انتبه أن شكله في المرآة قد تغير إلى عجوز أشيب الرأس بشعر طويل وبشرة قد أكلها الدهر، كل شيء مختلف إلا عيناه، لقد كانا نفس العينين لم يتغيرا!..

_ماذا حل بك يا بني؟ لماذا يحيطك هذا السواد القاتم؟

قالها العجوز من داخل المرآة مخاطبا الشاب الذي سرعان مزال رعبه، كأن ألمه أقوى من أن يرتعب من عجوز ظهر من العدم داخل مرآته..

_السواد لا يحيطني، بل أنا السواد نفسه..(انطلقت كلمات الشاب مع دمعة منسلة )

_كيف تكون انت السواد، بعد أن كنت ذلك الشاب المرح دات يوم؟

_الأمر بسيط فالكل ينطفئ، فسرعان ما تختفي الشمعة بسبب وهجها، حتى الشمس سيلتهمها نورها دات يوم..فما بالك بشخص مثلي ؟

ابتسم العجوز برقة، ثم قال:

_أخشى أن يلتهمك الألم كما إلتهمني، أخشى أن تغرق في ذاكرتك فلا تستطيع النجاة، فالألم يا بني يولد ألما أكثر..

طأطأ الشاب رأسه، كأنه يخفي ملامح وجهه التي أخدت سمات الأموات، وبصوت خافق بالكاد يسمع قال:
 
_كيف سأنجو من آلم أصبح مسكنه قلبي؟ وحتى إن نجوت  هل تنتظر مني أن أكون نفس الشخص  مرة ثانية؟ ربما ينجو البشر من الآلم، لكن لن يستطيعوا النجاة من أثاره..ستظل ملامح الآلم في أنفسهم كنقش عميق لا يفنى..

سكت العجوز طويلا، كأنه يفكر في كلماته التي يجب أن يساعد بها هذا الشاب، وبعد لحظات قال:

_ربما يكون ألمك وهما! ربما لا تستحق معاناتك كل هذا الآلم؟ هل فكرت في سبب آلمك يوما؟

ابتسم الشاب بمرارة، كأن ابتسامته تخبر العجوز أن لا أحد يشعر بأحد، لن يفقه أحد آلم شخص ما إلا بعيش نفس التجربة..

_المشاعر تؤدي الناس، تجعلهم يعانون، تبكيهم، تعدبهم، المشاعر كحبل المشنقة الملتف حول عنقك، امنح مشاعرك لأي شخص وتأمل الوقت الذي سيرمي فيه الكرسي من تحت قدميك، لتعلق من رقبتك في حبل مشنقته.

_قد ينقدك شخص ما!

_انت محق قد ينقدك، لكن أثر الحبل لن يزول من على رقبتك!

_سيزيله الزمن

_في بعض الأحيان يكون آلمك أكبر من الزمن نفسه

خيم الصمت مرة ثانية على العجوز، لتظهر معه علامات الحزن في عينيه، ومع كل لحظة صمت كان الشاب يغرق في آلمه، كأن شيء ما يسحبه نحو الأعماق،  يغرقه ظلاما..

_لكنك إنسان تملك نفسك، تتحكم بها يمكنك أن تغير ماتريد، يمكنك ان تحقق الشيء الذي تريده، يمكنك أن تسيطر على مشاعرك، تسطيع كبح الآلم..

وقبل أن يكمل العجوز كلامه، قاطعه الشاب بضحكة مدوية، ضحكة مجنونة، ضحكة تدب الرعب في أوصال ضاحكها وسامعها، وبعد أن التقط انفاسه من الضحك قال:

_ الكل يعيشون في وهم أنهم يتحكمون في حياتهم، يستطيعون أن يحققوا ما يرديون، لا شيء يتحكم بهم، كل هذا وهم، مجرد وهم أيها العجوز، فأنت لا تقود حياتك، أنت مخطئ فالشيء الوحيد الذي يقودك ويسيطر عليك هي رغباتك، هي الأشياء التي تريدها، تلك الأشياء تسيطر عليك..

_كيف ذلك؟ فأنا من يختار الأشياء التي أريدها!  إذا أنا اتحكم في رغباتي..

_يظن الناس أنهم أحرار لأنهم يدركون رغباتهم، لكنهم يجهلون الأسباب التي تقودهم إلى أن يرغبو في شي ما..

كانت كلمات الشاب الأخيرة مغرقة في الهموم، والأسف، كأن ألمه جعله يفقه شيء أخر، لقد أصبح مغرقا في الظلام، ومن داخل الظلام يمكنك أن ترى كل الأماكن المنيرة، لكن من وسط النور لن تسطيع أن ترى مايوجد في الأماكن المظلمة!

_اذا حارب من أجل نفسك، ألا ترى أنك تستحق حياة أفضل؟(قالها العجوز مع ابتسامة هادئة)

رفع الشاب رأسه لينظر بعمق في المرآة التي تتجلى فيها صورة العجوز، ثم قال :

_يبدو أن نفسي هي من تحارب من أجلي، أليس كذلك أيها العجوز، فأنت لست سوى شيء ما داخلي يحاول إنقادي من هذا الألم..

قالها الشاب ليتلاشى شكل العجوز ويحل محله وجه الشاب الشاحب، الغارق في حزنه، نظر طويلا لعينيه الغائرتين وسط رأسه، ثم قال:

_يقولون أن الآلم إن لم يقتلك سيجعلك أقوى، وكلما زاد ألمك زادت قوتك..

__________________________________________________

بعد اسبوع كان الشاب جثة معلقة بحبل مشنقة داخل غرفته، تاركا رسالة على الطاولة بجانب سريره:

"أسف أيها العجوز، لقد إلتهمني، أخد كل قطعة مني، أغرقني كاملا، فلم يتبقى لي حل سوى أن أشنقه، سأشنق هذا الآلم داخل هذا الجسد للأبد..سأقتله قبل أن يقتلني!"

تعليقات