قصة مرأه الزمن قصص وحكايات
قصص طويلة مميزة
مرآة الزمن
دخل أسامة البالغ من العمر ستة عشر عاما إلى غرفته الصغيرة للنوم بعد أن تناول وجبة العشاء مع والديه،
تقدم بهدوء ناحية سريره واستلقى بجسده الصغير، وبعينين قد نال منهما النعاس راقب سقف الغرفة طويلا ليأخده شبح النوم إلى عالم أخر تاركا إنارة الغرفة مشتعلة.
صمت رهيب! إلا من دقات الساعة الحائطية المعلقة على الطرف الأيمن من الغرفة، انتشر صدى دقات الثواني التي تعبر عبر المكان،
بينما غط اسامة في نوم عميق مستلقيا على جانبه الأيسر، فجأة إنقطع التيار ليعود بعدها كومظة صاعقة،
فتح أسامة عينيه مرتعبا مع عودة التيار الكهربائي محاولا تغيير وضعية نومه إلى الجانب الأيمن لتجحظ عيناه وقد هرب منهما النوم مرتعبا،
جحظت عيناه ناظرا إلى الشخص الذي يغط في نوم عميق بجانبه، رجل أربعيني العمر هزيل الجسم، شاحب اللون، قد تشققت شفتاه كأن لهب صحراء قد امتص رطوبتهما.
نهض أسامة من مكانه وقد نال منه الرعب، ليعود إلى الخلف مهرولا وقد إرتفعت دقات قلبه لتحجب صوت دقات الساعة التي لم تتوقف عن عد الثواني،
ارتفعت أنفاس أسامة ورغم الضجة التي أحدثها لم يتحرك ساكن للشخص النائم على فراشه!
استجمع اسامة ماتبقى له من أنفاس ليستدير محاولا الهرب من الغرفة ليرتطم جسده الصغير بجسد شخص واقف أمامه، سقط الطفل الصغير على الأرض ليحمل رأسه ببطئ ناحية الجسد الذي كان سببا في سقوطه،
ومع أول نظرة كان الرعب واضحا على ملامحه وامتلأت عيناه بالدموع، لقد كان ينظر للشخص الواقف أمامه، إنه نفس الشخص المستلقي على فراشه، نفس الجسم الهزيل والشفتين المتشققتين، واللباس المهترئ كأن الدهر أكل منه.
حاول أسامة العودة بإتجاه فراشه وياليته لم يفعل، لأن صرخته كانت مدوية بعد أن إكتشف أن سريره لا يزال شاغرا بنفس الشخص النائم،
فهو الأن في الغرفة مع نسختين لنفس الشخص، واحد ينام على سريره بعمق، والثاني يقف وسط غرفته ناظرا لأسامة بعينين غابرتين وسط رأسه لا يحرك ساكنا.
ارتفعت نسبة الأدرينالين في جسم الصغير الذي حاول الهروب راكضا، لكن فجأة توقف وعاد أدراجه بعد أن مر من جانب المرآة المعلقة في غرفته،
عاد ببطئ ليقف أمام المرآة ينظر إلى إنعكاس صورته الظاهر وبكل وضوح، لقد كان ينظر إلى نفسه في المرآة وهو على هيئة الشخصين اللذان يحاول اللدود بالفرار منهما! لقد كان يرتدي نفس الملابس، ويملك نفس الجسم الهزيل،
نفس الشفتين، ونفس البشرة ذات اللون الشاحب، كان الفرق الوحيد بينه وبينهم هو نظرة الرعب الظاهرة على عيناه مليئتين بالدموع.
وقف أسامة معيدا نظره باتجاه شبيهة الأخرين، لقد كان الثلاثة بنفس الهيئة والشكل واحد يغط في نوم عميق والثاني يقف وسط الغرفة ينظر بوجل لأسامة الذي عاد للخلف مرتطما بالمرأة المعلقة لتنكسر ساقطة على الأرض.
اسامة الصغير بجسده البريء يغط في نوم عميق، بينما يعم الصمت باقي الغرفة إلا من دقات الثواني التي تعبر الزمن لتكسر قوانينه،
فجأة يفتح أسامة عينيه متأثرا بقوة الإضاءة التي نسي أن يطفئها، فتح عينيه لينتبه أن الجو أصبح حارا وأن جسده الصغير يحتاج للقليل من الماء.
غادر أسامة غرفته ناحية المطبخ ليلتقط كأس ماء يطفئ به نار جوفه ومع أول رشفة إنقطع التيار الكهربائي ليعود كرمشة عين،
مما دفع أسامة ليرتشف كأس الماء مسرعا ليتجه بعدها مهرولا ناحية المرحاض خشية أن ينقطع التيار من جديد،
دخل أسامة إلى المرحاض لتجحظ عيناه بعد أن إنعكست صورته على المرآة المعلقة على الحائط الأبيض العاكس لضوء المصباح بقوة.
وقف مرتعبا ينظر إلى إنعكاس صورته الذي يظهر فيه شخص أربعيني شاحب البشرة، بعينين غائرتين وتياب رثة مع شفتينن جافتين، لم يقوى أسامة على الصراخ أو البكاء وكان كل أمله أن يكون هذا مجرد كابوس مرعب سيستيقظ منه في أية لحظة.
عاد أسامة إلى غرفته يجر أقدامه وقد أصبحت دقات قلبه كهدير محرك، كصوت عجوز يطلب النجدة، كنقيب مظلوم في طيات الظلام،
كصوت مناجي لكن لا مجيب، دخل أسامة لغرفته لتتجمد قدماه ناظرا إلى الشخصين اللذين ينامان على سريره، شخصين بنفس هيئته التي كان ينظر إليها قبل قليل في المرآة المعلقة بالمرحاض.
وقف جاحظ العينين وسط الغرفة لا يقوى على الحركة، ليفتح الشخص النائم على يسار السرير عينيه بعد أن إنقطع التيار مرة أخرى بينما ظل الشخص على اليمين غارقا في النوم.
نهض الشخص المستيقظ مرتعبا بعد أن لمح الشخص النائم بجانبه ليعود للخلف مرتطما بأسامة الذي لم يحرك ساكنا من شدة الرعب الذي التهمه،
لم يفهم أسامة مالذي يحدث؟ أو لماذا هرب منه الشخص الذي إرتطم به قبل قليل متوقفا فجأة أمام المرآة ينظر إلى شكله؟
ليعم الصمت المكان مرة أخرى ولا تزال دقات الساعة التي لا تتوقف ينتشر صداها في الغرفة قبل أن ينطلق صوت إنكسار المرآة بعد أن أسقطها جسد الشخص الهزيل الذي بدت عليه علامات الرعب من أسامة الذي لا يزال يقف بوجه ينظر إلى ما يحدث حوله يناجي في صمت أن يكون كل هذا كابوسا مرعبا ستوقظه منه أمه في أية لحظة الآن.
دقات الساعة تخيم على صمت المكان، مشيرة أنه لم يتبقى لمنتصف الليل سوى خمس دقائق، بينما ينام أسامة بهدوء لا يحرك ساكنا وقد وقف شخص بملابس قديمة، ووجه شاحب، وشفتين قد نال منهما الزمن وسط الغرفة،
لا يرف له جفن ينظر إلى الشخص الذي يشبهه كأنه هارب من المرآة المنكسرة تحت جسده الجالس على الأرض، بينما انهمرت دموعه في رعب يحوم بعينيه بين الشخص الواقف وأسامة النائم بعمق في جسد يشبه كليهما!
لا يزال اسامة ساقطا على الأرض بينما تناثر زجاج المرآة من حوله، ودموعه تنهمر رعبا، وعيناه لا تبارحان النظر للشخص النائم بعمق فوق سريره،
بينما بدأ يتحرك الأخر من وسط الغرفة ليتجه نحو الباب يترنح ليفتحه مغادرا الغرفة، تحرك نازلا السلالم بينما سمع أم أسامة تصرخ عندما لمحته قائلة :
هناك شخص بمنزلنا هنا لص..
قالتها ليظهر أبو أسامة بعد لحظات يحمل بندقية صيد قديمة وقد صوب بإتجاه الشخص شاحب الوجه الذي توقف مذعورا قائلا:
هذا أنا يا أبي، إنه أنا أسامة..
لم يكمل الشخص كلامه محاولا الإقتراب من الأب المذعور حتى انطلقت طلقتان متتاليتين استقرا في جسده ليسقط غارقا في دمائه، بينما انطلقت أم أسامة تركض باتجاه غرفة إبنها، لتجده غارقا في دموعه وسط زجاج المرآة المكسور، بينما عيناه لا تفارقان سريره قائلا:
_لقد تلاشى إلى ضباب ودخل إلى جسدي ثم عدت كما كنت!
لم تفهم أم أسامة كلمة مما قاله إبنها المذعور واكتفت بضمه إلى صدرها، وقد انتبهت أن ساعة الحائط قد توقفت عن العمل مشيرة إلى منتصف الليل.
.فجأة انطلق صراخ الأب! ليخرج كل من الأم وابنها، ليفجع بالأب ينظر إلى الجثة الملقات على الأرض وقد أصبحت على شكل إبنهما أسامة!
ذهل أسامة مما رأى بينما التهمه إحساس كأن شيء ما قد مات بداخله، كأنه فقد جزءا منه!
لطالما كنا نحارب الزمن، نحارب أنفسنا! يحاول جزء منا النجاة فتنكسر روحه ويتعثر ساقطا بين شظايا الألم ينتظر حظا ينقذه، بينما جزء منا يأبى الإستيقاظ،
يغوص في سبات عميق إلى أن تتوقف ساعة الزمن عن العد فيتلاشى دون أثر..أما الجزء الأخر فلطالما تعامل مع الأمور بهدوء محاولا أن ينقذ نفسه لكن سرعان مايرتطم بعجلة القدر ومهما حاول الهروب سيلقى حتفه!.

تعليقات
إرسال تعليق